أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

575

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

المحل فقال : « فإن قلت : هلّا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل « إنّ » واسمها . قلت : لا يصحّ ذلك قبل الفراغ من الخبر ، لا تقول : « إنّ زيدا وعمرو منطلقان » ، فإن قلت : لم لا يصحّ والنية به التأخير ، وكأنك قلت : إنّ زيدا منطلق وعمرو ؟ قلت : لأني إذا رفعته رفعته على محل « إنّ » واسمها ، والعامل في محلهما هو الابتداء ، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر ؛ لأنّ الابتداء ينتظم الجزأين في عمله ، كما تنتظمها « إِنَّ » في عملها ، فلو رفعت « الصَّابِئُونَ » المنويّ به التأخير بالابتداء وقد رفعت الخبر ب « إِنَّ » لأعملت فيهما رافعين مختلفين » وهو واضح فيما ردّ به ، إلا أنه يفهم كلامه أنه يجيز ذلك بعد استكمال الخبر ، وقد تقدّم أنّ بعضهم نقل الإجماع على جوازه . الخامس : قال الواحدي : « وفي الآية قول رابع لهشام بن معاوية : وهو أن تضمر خبر « إِنَّ » ، وتبتدىء « الصَّابِئُونَ » ، والتقدير : « إنّ الذين آمنوا والذين هادوا يرحمون » على قول من يقول إنّهم مسلمون ، و « يعذّبون » على قول من يقول إنهم كفار ، فيحذف الخبر إذ عرف موضعه ، كما حذف من قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ « 1 » أي : « يعاقبون » ثم قال الواحدي : « وهذا القول قريب من قول البصريين ، غير أنّهم يضمرون خبر الابتداء ، ويجعلون « مَنْ آمَنَ » خبر « إِنَّ » ، وهذا على العكس من ذلك لأنه جعل « مَنْ آمَنَ » خبر الابتداء ، وحذف خبر « إِنَّ » . قلت : هو كما قال ، وقد نبّهت على ذلك في قولي أولا : إنّ منهم من يقدّر الحذف من الأول ، ومنهم من يعكس . السادس : أنّ « الصَّابِئُونَ » مرفوع بالابتداء وخبره محذوف كمذهب سيبويه والخليل ، إلا أنه لا ينوى بهذا المبتدأ التأخير ، فالفرق بينه وبين مذهب سيبويه نية التأخير وعدمها . قال أبو البقاء « وهو ضعيف أيضا ؛ لما فيه من لزوم الحذف والفصل » أي : لما يلزم من الجمع بين الحذف والفصل ، ولا يعني بذلك أنّ المكان من مواضع الحذف اللازم ، لأنّ القرآن يلزم أن يتلى على ما أنزل ، وإن كان ذلك المكان في غيره يجوز فيه الذكر والحذف . السابع : أنّ « الصَّابِئُونَ » منصوب ، وإنما جاء على لغة بني الحرث وغيرهم الذين يجعلون المثنّى بالألف في كل حال نحو : « رأيت الزيدان ومررت بالزيدان » نقل ذلك مكي بن أبي طالب وأبو البقاء ، وكأنّ شبهة هذا القائل على ضعفها أنه رأى الألف علامة رفع المثنى ، وقد جعلت في هذه اللغة نائبة رفعا ونصبا وجرا ، وكذا الواو هي علامة رفع المجموع سلامة ، فيبقى في حالة النصب والجر كما بقيت الألف ، وهذا ضعيف بل فاسد . الثامن : أنّ علامة النصب في « الصَّابِئُونَ » فتحة النون ، والنون حرف الإعراب كهي في « الزيتون » و « عربون » . قال أبو البقاء : « فإن قيل : إنما أجاز أبو علي ذلك مع الياء لا مع الواو . قيل : قد أجازه غيره ، والقياس لا يدفعه » قلت : يشير إلى مسألة وهو : أن الفارسي أجاز في بعض جموع السلامة وهي ما جرت مجرى المكسّر كبنين وسنين أن يحلّ الإعراب نونها ، بشرط أن يكون ذلك مع الياء خاصة دون الواو فيقال : « جاء البنين » قال : 1786 - وكان لنا أبوا حسن عليّ * أبا برّا ونحن له بنين « 2 » وفي الحديث : « اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف » « 3 » ، وقال :

--> ( 1 ) سورة فصلت ، الآية ( 41 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) أخرجه البخاري كتاب الاستسقاء باب دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم ( 1006 ) ، ومسلم ( 1 / 467 ) ، كتاب المساجد ( 295 - 175 ) .